ابن كثير
253
البداية والنهاية
فانزعج لذلك وقال : لا أموت إلا على ظهر أفراسي ، لا على فراشي ، وخرج الجند والأمراء خوفا من أن يفوتهم بالفرار ، فنزلوا يمنة ويسرة ، فلم يذهب من تلك المنزلة بل استمر بها يعمل النيابة ويجتمع بالأمراء جماعة وفرادى ، ويستميلهم إلى ما هو فيه من الرأي ، وهو خلع الملك الكامل شعبان لأنه يكثر من مسك الأمراء بغير سبب ، ويفعل أفعالا لا تيلق بمثله ، وذكروا أمورا كثيرة ، وأن يولوا أخاه أمير حاجي بن الناصر لحسن شكالته وجميل فعله ، ولم يزل يفتلهم في الذروة والغارب حتى أجابوه إلى ذلك ، ووافقوه عليه ، وسلموا له ما يدعيه ، وتابعوا على ما أشار إليه وبايعوه ، ثم شرع في البعث إلى نواب البلاد يستميلهم إلى ما مالا عليه الدمشقيون وكثير من المصريين ، وشرع أيضا في التصرف في الأمور العامة الكلية ، وأخرج بعض من كان الملك الكامل اعتقله بالقلعة المنصورة ، ورد إليه إقطاع بعد ما بعث الملك الكامل إلى من أقلعه عن منشوره ، وعزل وولى وأخذ وأعطى ، وطلب التجار يوم الأربعاء ثامن عشره ليباع عليهم غلال الحواصل السلطانية فيدفعوا أثمانها في الحال ، ثم يذهبوا فيتسلموها من البلاد البرانية ، وحضر عنده القضاة على العادة والأمراء والسادة ، وهذا كله وهو مخيم بالمكان المذكور ، لا يحصره بلد ولا يحويه سور . وفي يوم الخميس رابع جمادى الآخرة خرجت تجريدة نحو عشرة طليعة لتلقي من يقدم من الديار المصرية من الأمراء وغيرهم ، ببقاء الامر على ما كان عليه ، فلم يصدقهم النائب ، وربما عاقب بعضهم ، ثم رفعهم إلى القلعة ، وأهل دمشق ما بين مصدق باختلاف المصريين وما بين قائل السلطان الكامل قائم الصورة مستمر على ما كان عليه ، والتجاريد المصرية واصلة قريبا ، ولا بد من وقوع خبطة عظيمة . وتشوشت أذهان الناس وأحوالهم بسبب ذلك ، والله المسؤول أن يحسن العاقبة . وحاصل القضية أن العامة ما بين تصديق وتكذيب ، ونائب السلطنة وخواصه من كبار الأمراء على ثقة من أنفسهم ، وأن الأمراء على خلف شديد في الديار المصرية بين السلطان الكامل شعبان وبين أخيه أمير حاجي ، والجمهور مع أخيه أمير حاجي ، ثم جاءت الاخبار إلى النائب بأن التجاريد المصرية خرجت تقصد الشام ومن فيه من الجند لتوطد الامر ، ثم إنه تراجعت رؤس الأمراء في الليل إلى مصر واجتمعوا إلى إخوانهم ممن هو ممالئ لهم على السلطان ، فاجتمعوا ودعوا إلى سلطنة أمير حاجي وضربت الطبل خانات وصارت باقي النفوس متجاهرة على نية تأييده ،